فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد الله. وما يشك مؤمن في وعد الله. فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة، فيها الخير للإيمان وأهله. وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله. وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء:
جاء في الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل،
يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» ..
وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين. مهما انتفخ باطلهم وانتفش، وبدا عليه الانتصار والفلاح. وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف:
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ!.
فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره، واختل تصوّره. فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين؛ هو الذي جعل أخذ المسيئين سنّة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد).
كلمة في السياق: [حول تصحيح مفهومين هامين في موضوع الابتلاء]
(صحّحت الآيات السابقة تصوّرين هامّين. الأول: تصور من يظن أن الإيمان لا يرافقه امتحان. والثاني: تصور الكافر أنّه إذا لم يمتحن فإنه يفلت من عذاب الله عزّ وجل. فالآيات إذن تصحّح مفاهيم، وتقرر سننا لها علاقة بقضية الإيمان والكفر، وارتباط ذلك بمقدمة سورة البقرة واضح: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالإيمان ليس مجرد دعوى، وكيلا يقول قائل:
ما دام الإيمان كذلك فلنتخلّ عن الإيمان، فقد بيّن الله عزّ وجل أن تصور الكافر أنّه يفوت الله - خطأ أكبر.