قوله تعالى {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} لمّا تخلص من مقام تربية إرادة وفاز من صحبة الاضداد ومقام الامتحان هاج سره بحق الحق واستنشق روحه رائحة ورد الوصال وراى برما من سحايب القربة قال في نفسه {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي يهدينى ربى إلى مشاهدته ويسمعنى كلامه وذلك سواء سبيل المعرفة لأن المعرفة بحقيقتها مستفادة من المشاهدة ومن هناك تبدو سبل قدم الذات ومعرفة أزلية الصفات فمدين إشارة إلى مشاهدة عالم الأزل والأبد وتوجهه كان إليها بالحقيقة فوجد نسائم ذلك من جانب مدين لأن هناك مواضع الكشف والخطاب وصعود أنوار نبوة شعيب عليه السّلام وذلك كما قال عليه السّلام في اخباره عن وجدانه نسيم نفخة كشف جمال الحق في مزار قلب أويس القرنى رحمة الله عليه"انى لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن"قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السّلام انى لاجد ريح يوسف قال جعفر توجه بوجهه إلى ناحية مدين وتوجه بقلبه إلى ربه طالبا فيه سبيل الهداية واكرمه الله بالكلام وكل من اقبل على الله بالكلية فان الله يبلغه مأموله قال أبو سعيد الخراز حملته الفراسة وتدابير المكالمة فيه إلى أن توجه ارض الأبد وهو ارض مدين فصادف بها شهباء وكان له في لقائه اوائل البركات فلما اكمل هيجانه إلى لقاء ربه قصد مدين بصورته وقصد بروحه موارد المشاهدة والمكاشفة بقوله {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} ورد سره موارد المكاشفة وسواقى المشاهدة وانهار القربة وبحار القدس والإنس فشرب منها باقدح الاقداح شربات المحبة والعشق والشوق فصار هايما في الملكوت حيرانا في الجبروت قال الواسطى الوارد يطلب المقالة لثقل الحرمة والقاصد يطلب اللقا والظفر قال أبو بكر بن طاهر ورد في الظاهر مدين ورد في الحقيقة على مائك مياه الإنس وبساتين المعرفة فوجد عليه أمة أي خواص من العباد يرتعون في تلك الميادين فانس بهم وشرب معهم من تلك المياه شربة اورثته ورده ذلك المورد الورود على مخاطبة الحق ووارثه شرب ذلك الماء الثبات في حال المخاطبة ثم بين سبحانه مقام فراسة موسى بقوله وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ