إذن: فهذه عقول تحتاج إلى سياسة وجدل ، كما قال سبحانه: {وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ...} [النحل: 125] ؛ لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عناداً ولجاجة ، أما الجدل العنيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك ؛ لذلك يرد رسول الله بقوله: {قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85] أي: جاء بالهدى من عند الله وهو النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85] .
ثم يعطي الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلاً من واقع حياته ؛ ليطمئن على أنه مُؤيَّد من ربه ، وأنه سبحانه سيفي له بما وعد ، ولن يتخلى عنه ، وكيف يختاره للرسالة ، ثم يتخلى عنه؟
وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86)
يعني: إذا كنت تتعجب ، أو تستبعد أنْ نردَّك إلى بلدك ؛ لأن الكفار يقفون لك بالمرصاد ، حتى أصبحت لا تُصدِّق أنْ تعود إليها ، فانظر إلى أصل الرسالة معك: هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أنْ تكون رسولاً؟ إنه أمر لم يكُنْ في بالك ، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له ، فالذي أعطاك الرسالة ولم تكُنْ في بالك كيف يحرمك من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه؟
إذن: تقوم هذه الآية مقامَ الدليل والبرهان على صِدْق {لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ...} [القصص: 85] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى ، فيقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآء ...} [الشورى: 52] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد .
وقوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ...} [القصص: 86] هذا استثناء يسمونه استثناء منقطعاً .