ولما وعده تعالى أنه يرده إلى معاد ، وأنه تعالى فرض عليه القرآن ، أمره أن يقول للمشركين ذلك ، أي هو تعالى عالم بمن جاء بالهدى ، وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وبما يستحقه من الثواب في معاده ، وهذا إذا عنى بالمعاد ما بعد الموت.
ويعني بقوله: {ومن هو في ضلال مبين} : المشركين الذين أمره الله بأن يبلغهم ذلك ، هو عالم بهم ، وبما يستحقونه من العقاب في معادهم ، وفي ذلك متاركة للكفار وتوبيخ.
{وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب} : هذا تذكير لنعمه تعالى على رسوله ، وأنه تعالى رحمه رحمة لم يتعلق بها رجاؤه.
وقيل: بل هو معلق بقوله: {إن الذي فرض عليك القرآن} ، وأنت بحال من لا يرجو ذلك ، وانتصب رحمة على الاستثناء المنقطع ، أي لكن رحمة من ربك سبقت ، فألقى إليك الكتاب.
وقال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى ، كأنه قيل: وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمة من ربك. انتهى.
فيكون استثناء متصلاً ، إما من الأحوال ، وإما من المفعول له.
وقرأ الجمهور: يصدنك ، مضارع صد وشدوا النون ، ويعقوب كذلك ، إلا أنه خففها.
وقرئ: يصدنك ، مضارع أصد ، بمعنى صد ، حكاه أبو زيد ، عن رجل من كلب قال: وهي لغة قومه ، وقال الشاعر:
أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم ...
صدود السواقي عن أنوف الحوائم
{بعد إذ أنزلت إليك} : أي بعد وقت إنزالها ، وإذ تضاف إليها أسماء الزمان كقوله: {بعد إذ هديتنا} ويومئذ ، وحينئذ.
قال الضحاك: وذلك حين دعوه إلى دين إبائه ، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم ، فيصدونك عن اتباع آيات الله.
{وادع إلى ربك} : أي دين ربك ، وهذه المناهي كلها ظاهرها أنها للرسول ، وهي في الحقيقة لأتباعه ، والهلاك يطلق بإزاء العدم المحض ، فالمعنى: أن الله يعدم كل شيء سواه.