ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثَم من يبالغ في النفي والإنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول: إن الأمر ليس كذلك ، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف ، قال مهدداً على طريق الاستئناف على لسانه - صلى الله عليه وسلم - لكون الإنكار تكذيباً له كما كذب موسى - صلى الله عليه وسلم - حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم: {قل} أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به: {ربي} أي المحسن إليّ {أعلم} أي من كل أحد.
ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق ، وكانوا يقولون: من ادعى رجوعه فهو ضال ، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال ، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال ، والسادة الأقيال ، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام: {من جاء بالهدى} أي الذي لا أبين منه ، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم؟ {ومن هو في ضلال} أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا {مبين} أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره.