وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ (إِنَّا) ، فَقَرَأَ بِكَسْرِهَا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} ، بِفَتْحِ الْأَلْفِ. وَإِذَا فُتِحَتْ كَانَ فِي {أَنَّا} وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ عَلَى رَدِّهَا عَلَى الْعَاقِبَةِ عَلَى الْإِتْبَاعِ لَهَا، وَالْآخَرُ النَّصْبُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَوْضِعِ كَيْفَ، لِأَنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِنْ شِئْتَ، وَإِنَّ شِئْتَ عَلَى تَكْرِيرِ كَانَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ؟ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ تَدْمِيرَنَا إِيَّاهُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ مِنْهُمْ، لَيْسَ فِيهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَدْ أَهْلَكُهُمُ اللَّهُ فَأَبَادَهُمْ.
{بِمَا ظَلَمُوا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُمْ.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي فِعْلِنَا بِثَمُودَ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْقِصَّةِ لَعِظَةً لِمَنْ يَعْلَمُ فِعْلَنَا بِهِمْ مَا فَعَلْنَا مِنْ قَوْمَكِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَعِبْرَةً.
{وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا}
يَقُولُ: وَأَنْجَيْنَا مِنْ نِقْمَتِنَا وَعَذَابِنَا الَّذِي أَحْلَلْنَاهُ بِثَمُودَ رَسُولَنَا صَالِحًا وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
{وَكَانُوا يَتَّقُونَ}
يَقُولُ: وَكَانُوا يَتَّقُونَ بِإِيمَانِهِمْ، وَبِتَصْدِيقِهِمْ صَالِحًا الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِمْ مِنْ ثَمُودَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ نُنَجِّيكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَتْبَاعَكَ، عِنْدَ إِحْلَالِنَا عُقُوبَتَنَا بِمُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ.
وَذُكِرَ أَنَّ صَالِحًا لَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ بِقَوْمِهِ مَا أَحَلَّ، خَرَجَ هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}