وَيَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} إِلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا النَّصْبُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَلَا يُصْلِحُونَ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ» وَلَيْسَ فِيهَا «قَالُوا» ، فَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ يَدُلُّ عَلَى وَجْهِ النَّصْبِ فِي «تَقَاسَمُوا» عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: الْجَزْمُ، كَأَنَّهُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْسِمُوا بِاللَّهِ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي تَصْلُحُ قِرَاءَةُ {لَنُبَيِّتَنَّهُ} بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ لَهُمْ تَقَاسَمُوا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْآمِرُ فَهُوَ فِيمَنْ أَقْسَمَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: انْهَضُوا بِنَا نَمْضِ إِلَى فُلَانٍ، وَانْهَضُوا نَمْضِي إِلَيْهِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ وَجْهُ النَّصَبِ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِالنُّونِ أَفْصَحُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ لَنُبَيِّتَنَّهُ، وَقَدْ تَجُوزُ الْيَاءُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: قَالُوا لَنُكْرِمَنَّ أَبَاكَ، وَلِيُكْرِمَنَّ أَبَاكَ، وَبِالنُّونِ قَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ.
وَأَمَّا الْأَغْلَبُ عَلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقِرَاءَتُهُ بِالْيَاءِ، وَضَمُّ التَّاءِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ، فَقَرَأَهُ بِالْيَاءِ. وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ إِلَيَّ النُّونُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنْتُ مِنَ النَّصْبِ وَالْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحًا غَيْرَ فَاسِدٍ لِمَا وَصَفْتُ، وَأَكْرَهُهَا إِلَيَّ الْقِرَاءَةُ بِهَا الْيَاءَ، لِقِلَّةِ قَارِئِ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {لَنُبَيِّتَنَّهُ} قَالَ: لَيُبَيِّتُنَّ صَالِحًا ثُمَّ يَفْتِكُوا بِهِ.