والآن وقد حقق الله لسليمان على يد صاحبه تلك الأمنية الغالية، وأصبح وصول ملكة سبأ إلى بلاطه قاب قوسين أو أدنى، وتم إعداد المفاجأة الكبرى لها بحضور عرشها بين يديه، قبل أن تقدم هي عليه، لترى رأي العين أن ملك سليمان مؤيد من الله بمعارف وأسرار، لا تقف دونها الحصون والأسوار، ها هو يشكر الله تعالى على ما أحاطه به من مظاهر العناية الإلهية، وها هو كتاب الله يصف مشاعره الدفينة، في أبهى حلة وأجمل زينة، إذ يقول: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} ، لكنه سلك مسلك الأدب مع الله، فقابل نعمته بالشكر على الامتنان، لا بالاستعلاء والطغيان، فنجح في الامتحان، وفاز في الرهان، {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} .