ولعل البعض يستغرب ويتساءل كيف تحقق هذا الأمر على يد"صاحب سليمان"وهو مجرد تابع، ولم يتحقق على يد سليمان نفسه وهو النبي المتبوع الذي قال الله في حقه وحق والده: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} وقال في كتابه على لسان سليمان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} لكن من تذكر ما واجه به الهدهد وهو مجرد طير من الطيور سليمان عليه السلام عندما قال له فيما حكاه كتاب الله سابقا: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} لا يستغرب من هذا الأمر شيئا، فالله تعالى هو الذي أحاط بكل شيء علما، على أن مثل هذا السؤال قد سبق إلى وضعه أحد علماء التصوف الكبار وهو محمد بن علي الترمذي الحكيم ضمن الأسئلة التي وضعها لتمحيص المدعين في طريق القوم من غيرهم واختيارهم ومجموعها مائة وخمسة وخمسون سؤالا تصدى للجواب عنها جميعا (ابن عربي)
الحاتمي في فتوحاته المكية، وخلاصة جوابه عن هذا السؤال ما معناه: أن العلم بهذا الأمر لم يطو عن سليمان، وإنما طوي عنه الإذن في التصرف به، تنزيها لمقامه، كما أن ظهور هذا الأمر على يد"صاحب سليمان"كان أتم في حق سليمان، ما دام هذا الصاحب تابعا له، مصدقا بنبوته، قائما في الخدمة بين يديه تحت أمره ونهيه، وكل من رأى بركة هذا الرسول التي عادت على صاحبه - سواء أكان من أتباعه الأولين، أو من الوافدين عليه من مملكة سبأ - سيزداد رغبة في متابعته والتعلق به والدخول في دينه، حتى ينال ما ناله هذا التابع، إذ متى كان أمر التابع بهذه المثابة كان امر المتبوع فوق كل تقدير. وواضح ان كرامة الولي متى ثبتت ولايته تكون ملتحقة بمعجزة النبي، إذ لو لم يكن النبي صادقا في نبوته، لم تكن الكرامة تظهر على يد الخواص من أمته، إلى مثل هذا المعنى ينظر قول الشاعر:
والمرء في ميزانه أتباعه...فاقدر إذن قدر النبي محمد