من سبإ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما «1»
وقال:
الواردون وتيم في ذرى سباء قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس «2»
ثم سميت مدينة مأرب بسبإ ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ، كما سميت معافر بمعافر بن أدّ. ويحتمل أن يراد المدينة والقوم. والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ من جنس الكلام الذي سماه المحدّثون البديع ، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق «3» باللفظ ، بشرط أن يجيء مطبوعا. أو يصنعه عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسداده ، ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى. ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبإ بخبر ، لكان المعنى صحيحا ، وهو كما جاء أصح ، لما في النبإ ، من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.
[سورة النمل (27) : آية 23]
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
المرأة بلقيس بنت شراحيل ، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها ، وقد ولده أربعون ملكا ولم يكن له ولد غيرها ، فغلبت على الملك ، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس. والضمير في تَمْلِكُهُمْ راجع إلى سبإ ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر ، وإن أريدت المدينة فمعناه تملك أهلها. وقيل في وصف عرشها: كان ثمانين ذراعا في ثمانين وسمكه ثمانين. وقيل ثلاثين مكان ثمانين ، وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر ، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودرّ وزمرّد ، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. فإن قلت: كيف استعظم عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ قلت: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان ، فاستعظم لها ذلك العرش. ويجوز أن لا يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء ، كما يكون لبعض
(1) . يمدح رجلا بأنه من قبيلة سبأ ، وهو في الأصل اسم لابن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ثم سميت به القبيلة ومأرب: مدينتها. وقيل: قصر لملكهم ، وهو مفعول الحاضرين ممنوع من الصرف. وإذ ظرف. ومن دون بمعنى أمام. والعرم: السد العظيم ، يحبس السيل عن المدينة.
(2) . أي الواردون هم ، وتيم: اسم قبيلة في أعالى أرض سبأ. والمراد بجلد الجواميس: الحبال المفتولة منه لتغسل بها الأسرى في أعناقهم ، فشبهت ما يصح منه العض لصلابتها على طريق المكنية ، والعض تخييل ، ويصح استعارته للقرص على طريق التصريحية ، وسبأ - في الأصل -: لقب رجل من قحطان اسمه عبد شمس ، لأنه أول من سبى كان له عشرة أولاد ، فذهب ستة إلى اليمن: حمير ، وكندة ، والأسد ، وأشعر ، وقشعم ، وبجيلة. وذهب أربعة إلى الشام: لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان. وبها سميت قبائلهم المشهورة.
(3) . قوله «الذي يتعلق» لعله: التي تتعلق. (ع)