قال ابن عطية: إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه ، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من الإيجاز.
والاستفهام الذي في قوله: {مَالِيَ} ناب مناب الألف التي تحتاجها أم.
وقيل: إنما قال: {مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ} ؛ لأنّه اعتبر حال نفسه ، إذ علم أنه أوتي الملك العظيم ، وسخر له الخلق ، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل ، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصّر في حق الشكر ، فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه ؛ فقال: {مَالِيَ} .
قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم ، تفقدوا أعمالَهم ؛ هذا في الآداب ، فكيف بنا اليوم ونحن نقصّر في الفرائضا.
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب: {مَالِيَ} بفتح الياء وكذلك في"ياس" {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} [ياس: 22] .
وأسكنها حمزة ويعقوب.
وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو بفتح التي في"ياس"وإسكان هذه.
قال أبو عمرو: لأن هذه التي في"النمل"استفهام ، والأخرى انتفاء.
واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان"فَقَالَ مَالِي".
وقال أبو جعفر النحاس: زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما كان مبتدأ ، وبين ما كان معطوفاً على ما قبله ، وهذا ليس بشيء ؛ وإنما هي ياء النفس ، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكِنها ، فقرؤوا باللغتين ؛ واللغة الفصيحة في ياء النفس أن تكون مفتوحة ؛ لأنها اسم وهي على حرف واحد ، وكان الاختيار ألا تسكن فيجحف الاسم.
{أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين} بمعنى بل.
الرابعة: قوله تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} دليل على أن الحدّ على قدر الذنب لا على قدر الجسد ، أما أنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة.
روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه.
قال ابن جريج: ريشه أجمع.