ونطق قائلاً {رَبِّ أوزعني} [النمل: 19] أي: امنعني أنْ أغفل ، أو أنْ أنسى هذه النِّعم ، فأظل شاكراً حامداً لك على الدوام ؛ لأن هذه النعَم فاقتْ ما أنعمت به على عامة الخَلْق ، وفوق ما أنعمتُ به على إخواني من الأنبياء السابقين ، وعلى كل ملوك الدنيا ؛ لأنه عليه السلام جمع بين الملْك والنُّبوة ، وإنْ كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليه الملْك فرفضه ، وآثر أن يكون عبداً رسولاً .
لذلك وجب على كل صاحب نعمة أنْ يستقبلها بحمد الله وشكْره ، وسبق أنْ قُلْنا في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم} [التكاثر: 8] أن حق النعمة أن تحمد المنعم عليها ، فلا تُسأل عنها يوم القيامة .
وما أشبه الحمد على النعمة بما يُسمُّونه عندنا في الريف (الرقوبة) ، وهي بيضة تضعها ربَّة المنزل في مكان أمين يصلح عُشَّا يبيض فيه الدجاج ، فإذا رأتْ الدجاجة هذه البيضة جاءتْ فباضتْ عليها ، وهكذا شكر الله وحمده على النعم هو النواة التي يتجمع عليها المزيد من نِعَم الله .
وقد شُرح هذا المعنى في قوله سبحانه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] ألاَ ترى أن مَنْ علم علماً فعلم به أورثه الله علم ما لم يعلم؟ لماذا؟ لأنه ما دام عمل بعلمه ، فهو مُؤْتمن على العلم ؛ لذلك يزيده الله منه ويفتح له مغاليقه ، على خلاف مَنْ عَلِم علماً ولم يعمل به ، فإنَّ الله يسلبه نور العلم ، فيغلق عليه ، وتصدأ ذاكرته ، وينسى ما تعلَّمه .
والحق تبارك وتعالى يقول: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان: 12] أي: تعود عليه ثمرة شُكْره ؛ لأنه إنْ شكر الله بالحمد شكره الله بالزيادة ؛ لذلك من أسمائه تعالى (الشكور) .