وقوله: {عَلَيَّ} [النمل: 19] هذه خصوصية {وعلى وَالِدَيَّ} [النمل: 19] لأنه ورث عنهما الملْك والنبوة {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} [النمل: 19] وهذا ثمن النعمة أن أؤدي خدمات الصلاح في المجتمع لأكون مُؤْتمناً على النعمة أهْلاً للمزيد منها .
والحق تبارك وتعالى يريد منَّا أنْ نُوسِّع دائرة الصلاح ودائرة المعروف في المجتمع ، أَلاَ ترى إلى قوله سبحانه: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245] .
فسمَّى الخير الذي تقدمه قَرْضاً ، مع أنه سبحانه واهب كل النِّعم ، وذلك لِيُحنِّن قلوب العباد بعضهم على بعض ؛ لأنه تعالى خالقهم ، وهو سبحانه المتكفِّل برزقهم .
ثم يقول: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين} [النمل: 19] وذكر الرحمة والفضل ؛ لأنهما وسيلة النجاة ، وبهما ندخل الجنة ، وبدونهما لن ينجو أحد ، واقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله . قالوا: ولا أنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يتغمّدني الله برحمته".
ويقول سبحانه في هذا المعنى: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ} [يونس: 58] فالمؤمن الحق لا يفرح بعمله ، إنما يفرح: إنْ نال فَضْلَ الله ورحمته ، كأنه يقول لربه: لن أتكل يا رب على عملي ، بل فضلك ورحمتك هما المتكل ، لأنني لو قارنتُ العبادة التي كلفتني بها بما أسدْيتَ إليَّ من نِعَم وآلاء لَقصُرَتْ عبادتي عن أداء حقِّك عليَّ ، فإنْ أكرمتني بالجنة فبفضلك .
والبعض يقولون: كيف يعاملنا ربنا بالفضل والزيادة ، ويُحرِّم علينا التعامل بالربا؟ أليست الحسنة عنده بعشرة أمثالها أو يزيد؟ نقول: نعم ، لكن الزيادة هنا منه سبحانه وتعالى وليستْ من مُسَاو ، إنها زيادة ربٍّ لعبيد .