ومعنى {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 16] أي: من النِّعَم على الإطلاق ، وبعد قليل سنسمع نفس هذه العبارة يقولها الهدهد عن ملكة سبأ {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] إذن: فهي مثله فيما يناسب أمثالها من الملوك لا في النبوة وحَمْل المنهج {إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين} [النمل: 16] الفضل المحيط بكل الفضائل .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ}
حُشِروا: جُمِعوا من كل مكان ، ومنه قوله تعالى: {وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ} [الشعراء: 36] والحشْر: جَمْع الناس للحساب يوم القيامة .
وسُمِّي الجمع حَشْراً ؛ لأن تجمع الناس من أماكن متفرقة في مكان واحد ، حتى يضيق بهم ويزدحم ، وهذا معنى الحشْر المتعارف عليه عندنا ، نقول: نحشرهم على بعض .
ومعنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] يعني: يُمنعون ، ومنه قوله"إن الله ليزع بالسُّلْطان ما يزع بالقرآن"يعني: أن السلطان والقوة والبطش تمنع ما لا يستطيع القرآن منعه ؛ ذلك لأنهم يستبعدون القيامة والعذاب ، أمّا السلطان فرادع حاضر الآن .
لكن ، مِمَّ يمنعون وهم في موقف الحشر أمام سليمان؟ قالوا: يُمنعون أن يَسبق بعضهم بعضاً إلى سليمان ، إنما نمنعهم حتى يأتي المتأخر منهم ، ويدخلون جميعاً عليه مرة واحدة ، وفي ذلك إحداثُ توازنٍ بين الرعية كلها .
وقد حدَّثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته إذا جلس في مجلس تزوعَتْ نظراته وعينه على كل الجالسين حتى يُسوِّي بينهم ، ولا ينظر لأحد أكثر من الآخر ، ولا يُميز أحداً منهم على أحد ، حتى لا يظن أحدهم أن النبي فضَّله على غيره .