وكان صلى الله عليه وسلم لا يُقرِّب إلا أهل الفضل والتقوى الذي يُعرف منهم أنهم لا يستغلون هذه المكانة لنيل سلطة بين الناس ؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يُوطِّن وينهي عن ذلك على خلاف ما نراه الآن من بعض المصلِّين الذين يضعون سجادة مثلاً في الصف الأول يشغلون بها المكان ، ثم يذهب ويقضي حاجاته ، ويعود وقد امتلأ المسجد فيتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكان في المقدمة ، وهي ليس مكانه عند الله .
فالله تعالى قد وزَّع الأماكن على حَسْب الورود ، فإتيانك إلى بيت الله أولاً يعطيك ثواب الصف الأول ، وإنْ صليت في الصفِّ الأخير ، وعدم توطين الأماكن ينشر الأُلْفة بين الناس ، ويزيل الفوارق ويساعد على التعارف ، فكل صلاة أنت بجانب شخص جديد تتعرف عليه وتعرف أحواله .
وهذا معنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] يمنع السابق أنْ يسبق حتى يأتي اللاحق ، ليكونوا سواسية في الدخول على نبي الله سليمان عليه السلام .
لكن في ضوء هذا المعنى لمادة (وزع) كيف نفهم قوله تعالى: {رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: 19] .
أوزعني هنا يعني: أقْدِرني وامنعني من الغفلة عن نعمتك ، لأضلَّ شاكراً لك .
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
الضمير في {أَتَوْا} [النمل: 18] يعود على جنود سليمان من الإِنس والجن والطير ، أي جاءوا جميعاً صَفَّاً واحداً ومرُّوا {على وَادِ النمل} [النمل: 18] يعني: قرية النمل ، وقوله {على وَادِ النمل} [النمل: 18] يدلُّ على أنهم جاءوا من أعلى الجبل ، أو أنهم قطعوا الوادي كله ، كما نقول: فلان أتى على الطعام كله .