وهذه المخلوقات تتفاهم بلغاتها بدقَّة تفاهم غريزي ، لكننا لا نفهم هذا المنطق ، والحق تبارك وتعالى يُعلِّمنا: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] . فإنْ قلتَ كمَنْ قالوا: هو تسبيح دلالة لا منطقَ ومقال ، نقول: طالما أن الله تعالى قال {ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] فلا بُدَّ أنه مقال وكلام ، ولكن أنت لا تفهمه .
وعلماء اللغة يقولون: إن النطق خاصٌّ بالإنسان ، أما ما تُحدثه الحيوانات والطيور فأصوات تُحدِثها في كل وقت ، مثل مواء القطة ، ونُباح الكلب ، وخُوَار البقر ونقيق الضفادع ، لكن هذه الأصوات لها معنى (فنونوه) القطة حين تجوع غير (نونوتها) حين تخاف .
إذن: فهي تُعبِّر ، لكننا لا نعرف هذه التعبيرات ، كيف ونحن البشر لا يعرف بعضنا لغات بعض ؛ لأننا لم نتعلمها ، وللغة ضرورة اجتماعية نتواضع عليها أي: نتفق أن هذا اللفظ يعني كذا ، فإذا نطقتَ به أفهمك ، وإن نطقتُ به تفهمني .
واللغة بنت الاستماع ، فاللفظ الذي تسمعه تستطيع نُطْقه ، والذي لم تسمعه لا تستطيع نُطْقه ، حتى لو كان لفظاً عربياً من لغتك ، ولا تعرف أيضاً معناه ، فلو قلت لك: (إنما الحيزبون والدردبيس والطخا والنخالح والعصلبيص) فلا شكَّ أن لا تعرف لهذا معنى ؛ لأننا لم نتواضع على معناه .
والطفل الذي نشأ في بيئة عربية يتكلم العربية ؛ لأنه سمعها ولايتكلم الإنجليزية مثلاً: لأنه لم يسمعها ، ولو وضعتَ نفس الطفل في بيئة إنجليزية لتكلم الإنجليزية ؛ لأن اللغة لا ترتبط بجنس ولا دم ، اللغة سماع .