وفي ابتداء خطاب الله سبحانه موسى بذلك عند مجيئه بشارة بأنه قد قضي له أمر عظيم ديني تنتشر بركاته في أقطار الأرض المقدسة، وهو تكليمه تعالى إياه، واستنباؤه له وإظهار المعجزات على يده، وكل موضع يظهر فيه مشاهدة الحق ومكالمته يكون ذا بركة، ألا ترى إلى قول القائل:
إِذَا نَزَلَتْ سَلْمَى بِوَادٍ فَمَاؤُهُ ... زُلَالٌ وَسِلْسَالٌ وَجَنَّاتُهُ وَرْدُ
وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} من تمام ما نودي به؛ لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهًا، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر. وعبارة"المراح"هنا: وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} من كلام الله مع موسى، نزه الله تعالى نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته؛ ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام، وإعلامًا بأن ذلك الأمر مكونه رب العالمين، ولدفع ما قد يتوهمه بحسب الطبع البشري البخاري على العادة الخلقية من أن الله سبحانه المتكلم به في مكان، أو في جهة. ومن أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث ككلام الخلق، وقد علم موسى عليه السلام أن النداء من الله تعالى؛ لما دل على ذلك من أن النار كانت مشتعلة على شجرة خضراء لم تحترق. وقال السدي: هو من كلام موسى؛ لما سمع النداء قال: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تنزيهًا لله تعالى عن سمات المحدثين.
وحاصل معنى الآية: أي فلما وصل موسى إلى النور الذي ظنه نارًا .. نودي بأن بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها هي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} ومن حولها هو من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات، ومهبط الخيرات؛ لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتًا. وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} تنزيه لنفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته، وإيذان بأن مدبر ذلك الأمر هو رب العالمين.