وعبارة شيخ الإِسلام: كيف قال هنا ذلك، وفي طه: {نَارًا لَعَلِّي} ، وأحدهما قطع وجزم، والآخر ترجّ، والقضية واحدة؟
قلتُ: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الجزم.
{لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} ؛ أي: رجاء أن تستدفئوا بها، أو لكي تستدفئوا بها، وتدفعوا البرد بحرها، وكان الزمان شتاء والليلة مثلجة، يقال: صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفا بها، والصلاء النار العظيمة، والاصطلاء الاستدفاء بها. قال بعضهم: الاصطلاء بالنار يقسي القلب، ولم يرو أنه - صلى الله عليه وسلم - اصطلى بالنار.
والمعنى: أي واذكر أيها الرسول الكريم لقومك قصة قول موسى لأهله، وقد سار بهم فضل الطريق في ليل دامس وظلام حالك، فرأى نارًا تأجج وتضطرب، فقال إني أبصرت نارًا سآتيكم منها إما بخبر عن الطريق أو آتيكم بشعلة من النار تستدفئون بها، وكان كما قال، فإنه رجع منها بخير عظيم، واقتبس نورًا جليلًا.
وقد كان هذا حين مسيره من مدين إلى مصر، ولم يكن معه سوى امرأته، وكانا يسيران ليلًا، فاشتبه عليهما الطريق والبرد شديد، وفي مثل هذه الحال يستبشر النَّاس بمشاهدة النار من بعد؛ لما يرجى فيها من زاول الحيرة، وأمن الطريق، ومن الانتفاع بها للاصطلاء، ومن ثم قال لها هذه المقالة.