ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسنا جميلا؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعماق أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام؛ والله - سبحانه - هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. وسنته نافذة - وفق مشيئته في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ .. فهم لم يؤمنوا بالآخرة، فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم ... وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب.
والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة،
فالخسارة المطلقة في الآخرة محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال.
وتنتهى مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.
ولفظ (تلقى) يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم. يصنع كل شيء بحكمة، ويدبر كل أمر بعلم .. وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن. في منهجه،
وتكاليفه، وتوحيهاته، وطريقته. وفي تنزيله في إبانة. وفي توالي أجزائه. وتناسق موضوعاته. ثم يأخذ في القصص. وهو معرض لحكمة الله وعلمه وتدبيره الخفي اللطيف).
كلمة في السياق: