فقد ألقى عصاه كما أمر؛ فإذا هي تدب وتسعى، وتتحرك حركة سريعة كحركة ذلك النوع الصغير السريع من الحيات {الجان} . وأدركت موسى عليه السلام طبيعته الانفعالية، وأخذته هزة المفاجأة التي لم تخطر له ببال، وجرى بعيداً عن الحية دون أن يفكر في الرجوع! وهي حركة تبدو فيها دهشة المفاجأة العنيفة في مثل تلك الطبيعة الشديدة الانفعال.
ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن؛ وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه:
{يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} ..
لا تخف. فأنت مكلف بالرسالة. والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف.
{إِلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء. فإني غفور رحيم} ..
إنما يخاف الذين ظلموا. ذلك إلا أن يبدلوا حسناً بعد سوء، ويدعوا الظلم إلى العدل؛ ويدعوا الشرك إلى الإيمان، ويدعوا الشر إلى الخير. فإن رحمتي واسعة وغفراني عظيم.
والآن وقد اطمأن موسى وقر، يجهزه ربه بالمعجزة الثانية، قبل أن يكشف له عن جهة الرسالة ووجهة التكليف:
{وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} ..
وكان هذا. وأدخل موسى يده في فتحة ثوبه وهي جيبه فخرجت بيضاء مشرقة لا عن مرض، ولكن عن معجزة. ووعده ربه أن يؤيده بتسع آيات من هذا النوع الذي شاهد منه اثنتين؛ وكشف له حينئذ عن وجهته التي من أجلها دعاه وجهزه ورعاه!
{في تسع آيات إلى فرعون وقومه. إنهم كانوا قوماً فاسقين} ..
ولم يعدد هنا بقية هذه الآيات التسع، التي كشف عنها في سورة الأعراف. وهي سنون الجدب، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. لأن التركيز هنا على قوة الآيات لا على ماهيتها. وعلى وضوحها وجحود القوم لها:
{فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا: هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} .