القبيحة وهي ما نهى عنه [بذم] فاعلها ويعاقب عليها بأن جعلها متعلقًا بـ زين مشتهاة للطبع حتى
تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، وسبب هذا الجعل انهماكهم عَلَى الشر والمعاصي وإصرارهم
على الكفر باختيارهم، وهذا في الْمَعْنَى كالختم والطبع فلا يرد الإشكال بأنهم حِينَئِذٍ يكونون
مجبورين عَلَى الكفر وسائر المعاصي. وقد مَرَّ تَوضيحُهُ في سورة البقرة.
قوله: (أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها) أو
الْأَعْمَال الحسنة التي أعرضوا عنها فالْإضَافَة في النظم الكريم لأدنى ملابسة ولذا قال المص
الْأَعْمَال الحسنة ولم يقل أعمالهم الحسنة كما قال أعمالهم القبيحة. قوله التي وجب عليهم
إشَارَة إلَى وجه إضافتها إليهم مع إعراضهم عنها. قوله بترتب المثوبات متعلق بـ زين وهذا
الاحتمال بعيد؛ إذ التزيين في مثل هذا المقام أعمالهم القبيحة فإنها مشتهاة ومحبوبة
لنفوسهم، وأما الطاعات فثقيلة عَلَى النفوس إلا عَلَى المرتاضين، ولذا ورد"حفت الجنة"
بالمكاره وحفت [النار] بالشهوات"."
قوله: (فَهُمْ يَعْمَهُونَ عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع) فهم يعمهون اخْتيرَ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) ؟ قلت: بين
الإسنادين فرق، وذلك أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله عز وجل مجاز، وله طريقان في
علم البيان. أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني: أن يكون من المجاز
الحكميّ، فالطريق الأوّل: أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم
وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الروح والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه
التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة صلوات الله
عليهم في قولهم (وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) . والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان وتخليته
حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه لأن المجاز الحكميّ يصححه بعض الملابسات.
وقال صاحب الانتصاف: قول الزمخشري [مبنى على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة، فمن ثم جعل إسناد التزيين إلى الله تعالى مجازا، وإلى الشيطان حقيقة، ولو عكس الجواب لفاز بالصواب، وتأمل ميله إلى التأويل الآخر: من أن المراد أعمال البر على بعده؛ لأنه لا يعرض لقاعدته بالنقض، وأتى لهم ذلك وقد اتى الله بنيانهم من القواعد، على أن التزيين قد ورد في الخير في قوله تعالى (وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) على أن غالب وروده في غير البر، كقوله (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) ، (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ومما يبعد حمله على أعمال البر: إضافة الأعمال إليهم في قوله أَعْمالَهُمْ وأعمال البر ليست مضافة إليهم؛ لأنهم لم يعملوها قط]
قوله: والْأَعْمَال الحسنة، فتكون الآية نظير قَوْلُه تَعَالَى:(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى).
قوله: لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع. فسر رحمه الله العمه بعدم الإدراك لأن العمه
عدم البصيرة كما أن العمى عدم البصر، وفي الكَشَّاف العمه التحير والتردد كما يكون حال
الضال عن الطريق.