وليعتبر المؤمنون والكافرون بما تعرض له بنو إسرائيل بعد انهيار ملك سليمان من النكبات والنقم، عرض كتاب الله في الآيات التالية ما أنعم به عليهم في عهد ملكه القصير من جليل النعم، حتى يقارن الجميع بين حالتي السخط والرضا، ويستخرجوا العبرة مما مضى"فبضدها تتميز الأشياء":
-قال تعالى تمهيدا لقصة سليمان منوها بأبيه داوود، وبما آل إلي بعد موت أبيه من النبوة والملك دون بقية إخوته {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} وهذه الآية تضمن تنويه الحق سبحانه وتعالى بنعمة"العلم"، واعتبارها من أجل النعم وأجزل القسم، وأن من فضله الله بالعلم على غيره من الناس يجب أن يقابل نعمة الله عليه في كل آن، بالشكر والامتنان. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] . وكما استعمل كتاب الله (الإرث) بمعناه المجازي في قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} استعمل بنفس المعنى في قوله صلى الله عليه سلم: (العلماء ورثة الأنبياء) ، تعبيرا عن كونهم حملة لعلمهم، أمناء على رسالتهم، حراسا للدين بين قومهم.
وقوله تعالى حكاية عن سليمان: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} ، إشارة إلى أنه كان يتحدث إلى قومه بنعمة الله ليبرز فضل الله عليه، إذ الكل منه وإليه، والمراد بمنطق الطير الذي علمه الله إياه ليصدقه بنو إسرائيل في كونه رسولا من عند الله هو فهم المشاعر التي تجول في نفوسها عن طريق الأصوات التي تنطق بها، فتتفاهم فيما بينها، والمراد"بكل شيء"في قوله: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} كل شيء يحتاج ملكه إليه، ويتوقف عليه، على غرار ما وصفت به ملكة سبأ في آية لاحقة {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} .