في سورة النمل تناولت جانب الإطمئنان لأن السورة بكليّتها سورة قوة لأن فيها ملك سليمان وهذا الملك الذي ما كان ينبغي لأحد من بعده (رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ففيها قوة لذلك قال (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) شهاب أي نار. لعلكم تصطلون أي لعلكم تتدفأون بها. في القصص ما قال سآتيكم وإنما قال: لعلّي آتيكم منها بخبر. (لعلّي) تتناسب مع جو التردد وجو الخوف الموجود في سورة القصص القائمة على الخوف من بدايتها وذكرنا هذا في الحلقة الماضية (فإذا خفت عليه، تعذيب فرعون لبني إسرائيل. يقتل الأبناء ويستحي النساء.) فيها نوع من الخوف والتردد فأخذ جانب التردد (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار) . يقيناً الذي قاله موسى - عليه السلام - لا هذا ولا هذا والقرآن يذكر الذي يتناسب مع جو السورة. هو قال لهم هذه نار قد أجد من يخبرني شيئاً عن طريقنا أو آتيكم بشيء من النار. لكن استعمال شهاب قبس، جذوة، هذه من أسلوب القرآن مثل استعمال (نبأ، خبر، هدى) هذا ليس لفظ موسى - عليه السلام - ولا يمكن أن يكون لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون العربية من آدم - عليه السلام - بعكس ما يقال أن آدم تكلم العربية ولا ندري بم تكل آدم - عليه السلام - لأنه ما عندنا نص صحيح يذكر لنا أن آدم تكلم العربية وهذا الكلام لا ينبغي أن يُقبل أن آدم - عليه السلام - قال شعراً بالعربية لأن أوائل الشعر العربي الذي وصل إلينا من قبل امرؤ القيس بقليل قبل ذلك جاء الشعر بطريقة فيها نوع من التكسير ويُرى هذا في شعر عبيد بن الأبرص. المهم أنه ليس هناك سند لهذا الكلام. كل نبيّ تكلّم بلغة قومه (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) أي بألسنتهم. هذه الصياغة هي صياغة القرآن الكريم هكذا صاغ العبارة حتى يتفهمها العربي ويعيش في أجوائها.
موسى - عليه السلام - لم يقل إني آنست ناراً وإنما قال هذا المعنى أن هذه النار تُدخل الطمأنينة على قلبي سوف أذهب إليها بهذا المعنى وليس بهذه الألفاظ. لكن الألفاظ هي ألفاظ القرآن الكريم ولذا يتصرف بها بحسب سياق السورة. أحياناً يقول كما في سورة طه مثلاً (أو أجد على النار هدى) بحسب سياق السورة لأن الكلمات تأتي نابتة في مكانها في تلك السورة ومعبّرة عن المعنى نفسه والمعنى العام واحد.