لا بد أن ننظر في السياق وسنقف عند (فلما جاءها) و (فلما أتاها) المجيء والإتيان معناه أنه وصل للمكان، لمِ استعمل هنا كلمة جاء وهنا كلمة أتى؟ هذه لمسة بيانية. الآية في القرآن تُفهم لوحدها لكن إذا أردنا دقائق أسرارها حتى نتبين سموّها فينبغي أن ننظر في عموم السياق وفي الجو العام. كيف سكت العربي ولم يحاول أن يحاكي القرآن وينتهي الإسلام؟ لا تكرار في القرآن وحينما نتأمل في القرآن الكريم نجد أن كل كلمة في موضعها. إذا قال في النمل (فلما أتاها) وفي القصص (فلما جاءها) هو المعنى واحد ولكن يكون هناك خلل. لا تتناسب جاءها مع جو الخوف الذي هنا تتناسب مع جو القوة، أتاها هي التي تتناسب مع جو الضعف.
البداية (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ(1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2 ) ) هنا بشرى والبشارة ترفع من معنويات السامع أن هناك بشرى (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(3 ) ) عندنا بشرى ويقين وكلاهما يؤدي إلى الثبات وليس إلى الخوف. اليقين نقيض الخوف، المتّيقن من شيء لا يخاف (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ(4 ) ) . هؤلاء المؤمنون بكلمتين وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة بكلمتين (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) قطع فيهم (وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ(5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6 ) ) الحكمة والعلم فيهما قوة. (