والعمي عن علم الشيء أبعد منه من الشاكّ فيه ، لأنّ الشّكّ قد يعرض عن ضرب من النظر ، والعمي عن الشيء الذي لم يدرك منه شيئا .
أمّا من قال: ادارك فإنّه أراد: تدارك ، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها ، وكونها من حيّزها ، فلمّا سكنت التاء للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل كما اجتلبت في نحو ادّان وفي التنزيل: حتى إذا اداركوا فيها جميعا [الأعراف / 38] ، كأن معناه: تلاحقوا قال:
تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشها وما رواه الأعشى عن أبي بكر عن عاصم: بل ادرك فمعناه افتعل من أدركت ، وافتعل ، وتفاعل: قد يجيئان بمعنى ، يعني بأحدهما ما يعني بالآخر ، ومن ثمّ صحّ قولهم: ازدوجوا ، وإن كان حرف العلة على صورة يجب فيها الانقلاب ، ولكنّه صحّ لما كان بمعنى تفاعلوا ، وتفاعلوا يلزم تصحيح حرف العلة فيه لسكون الحرف الذي قبل حرف العلة ، فصار تصحيح هذا كتصحيح: عور ، وحول ، لمّا كان في معنى تفاعل ، وتفاعل قبل حرف العلة منه ساكن ، وإذا كان كذلك
فادّرك وادّارك بمعنى ، كما أن عور واعوار بمعنى ، ولو قرئ: حتى إذا ادّاركوا فيها ، وادّركوا لكان مثل ما في هذه الآية ، وقول الشاعر:
ولولا دراك الشّدّ قاظت حليلتي أي: لولا متابعتي للعدو والنجاء ، لأسروني . فدراك مصدر لدارك ، كما أنّ القتال مصدر لقاتل .
[النمل: 67]
قال: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (أيذا كنا ترابا وآباؤنا أينا) [النمل / 67] بهمزة ، غير أن ابن كثير لا يمدّ ، وأبو عمرو يمدّ ، وكان أبو عمرو يأتي بألف بعد الهمزة ، ثمّ ياء ، وكان ابن كثير لا يأتي بألف بعدها ياء ، تقول: (أيذا ، أينا ، وقرأ عاصم وحمزة: أإذا بهمزتين ، أإنا بهمزتين ، وقرأ نافع:(إذا كنّا ترابا) مكسورة الألف ، (آينا) ممدودة ، وقرأ ابن عامر والكسائي: أإذا كنا ترابا بهمزتين ، (إنّنا لمخرجون) بنونين وكسر الألف من غير استفهام .
[قال أبو علي] : قد ذكرنا ألفاظ ذلك ومعانيه فيما تقدّم .
[النمل: 70]