على باطنه، وبالمصنوع الكلي يعرف صانعه، فالعبد المؤمن يشهد بعقله لله - جلَّ جلالُه - دون
واسطة سوى الدليل عليه بالربوبية.
وصفة الوحدانية كالعلم الكلي الذي لا يعلم سوى الله خالقه، ولا يشاهد سوى
مدبره ومبدعه وتعالى علاؤه وشأنه فطرة من حكيم عليم (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) .
اعتبار الجملة والنظر في ذلك والعبارة عنه على سبيل الإجمال، سبيل القصد
في ذلك إن شاء الله تعالى أن يتوهمه صورة إنسان قائم يصلي مستسلمًا لخالقه
خاشعًا لصانعه، قانتًا خائفًا من بارئه، وجِلاً من رقيبه جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه
وجده، له من حيث هو معاني الحدث كله قد احتوله الأمر وأحاط به الحول، أو ما
يعبر عنه مما ليس به متوجهًا بكل وجهته إلى ما احتوله صوَّره بارئه - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه وشأنه أحسن تصوير، ورتب أعضاءه أحسن ترتيب على صورة شخص واحد
مركب من أعضاء مختلفة هي عوالمه، متعاونة على مطلوب واحد.
وغرض شواهد عبادته ربه له منها أعضاؤه كلها جوارحه وجوانحه مشكلة من
ذلك أشكاله وصورته خلقه خالقه العليم القدير على ذلك، فأعلى منه ما ليس من
الحكمة إلا أن يعلو وأسفل منه ما ليس من الحكمة إلا أن يسفل، ورتبه على ترتب
ليس من الحكمة إلا أن يكون على ذلك الترتيب أوجده بكلمته، وشاءه بمشيئته
وقدره بتقديره وكتبه القلم في اللوح المحفوظ بأمره، قدم منه في الإيجاد ما شاء
تقديمه، وأخر منه ما شاء تأخيره، وأجراه على سنته قانتًا لربه بكليته، مصليًا لفاطره
بجملته، ساجدًا له بحقيقته جملة وتفصيلاً، مسبحًا ذاكرًا له بألسن عدد الخلائق
كلهم، بل عدد ذواته وأبعاض ذواته، كصلاة العبد الجزئي سواء لا [يشذ] منه عضو،
ولا يتخلف عند جزء إلا هو قائم معه، ساجد معه، موجهًا إليه، عابدًا ربه معه.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خُلق ابن آدم على ثلاثمائة وستين مفصلاً، فعلى"
كلٍّ سُلامَى منها صدقة في كل يوم، فمن سبح الله - جلَّ جلالُه - وهلله وكبره وحمده وأمر