قال الله عز من قائل: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) . فالصبر على طاعة الله والعزم على الثبات في
الأمر، ولزوم اليقين يرفع الإمامة في علوم الموقنين ومعارف الصديقين.
وقال الله - جلَّ جلالُه - (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) .
ومن ذلك مفهوم قوله - جلَّ جلالُه -: (رَبِّ العَالَمِين) جمع عالم، فإذا
تصور الجميع صورة واحدة فهو العبد الكلي الذي هو جملة المخلوقات المشتملة
على كل ما دخل تحت الكون والحدوث، وعنه حكم الحدوث من مكان أو زمان
أو جهة أو ناحية وقرب وبعد وروح وجسم أو وجود وعدم وقبل الروح والأجسام
إلي، والخلق كله والأمر، وما تقدر تقدير ذلك [وما تبعه] أو كان منه فهو إذًا إنسان
كلي كما الإنسان عالم جزئي، فهو من حيث له يمين وشمال ووراء وقدام وأعلى
وأسفل صوَّر آدم على صورته - صلوات الله وسلامه عليه - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إِنً اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صورة الرحمن".
وفي أخرى:"عَلَى صُورتِهِ".
له أسماء وصفات ليس على معاني الذات، وهو أيضًا من حيث هو الكلي ليس
بمجعول على مخلوق، ولا يحيط به مخلوق ولا محدث، فيكون ظرفًا له أو حاملاً
أو معتمدًا له، ليس فيما يكتنفه يمين ولا شمال ولا وراء ولا أمام ولا علو ولا
سفل؛ إذ ليس ما عداه منه، بل هو من حيث هو هو جملة للمخلوقات وكل
للمحدثات ابتداء ما خلقه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من غير شيء كائن، وجعله
لأعلى شيء لم يحوجه إلى سواه، هو جل ذكره يمده ويجدده ويصرفه ويدبره جملة
وتفصيلاً.
هو آيته الكبرى لديه، وشهادته العظمى له، فكل ما كان من فعل يظهر آية منه،
وما كان في إتيانه من افتقار بعضه إلى بعض وأخذ بعضه عن بعض وعطف بعضه