من الله والحياة الآخرة، ولما أهله الله - جلَّ جلالُه - من الرسالة إلى عباده بشارة لعباده ونذارة
إعلام لهم بأن الآخرة إليَّ، والتبليغ عنه إليهم بحقائق حق الآخرة بشارة لعباده،
ونذارة إعلام لهم بأن الآخرة محيطة بالدنيا، مستورة عنا، فمن أطلعه الله - جلَّ جلالُه - على
مرائي الآخرة فبلغ عنه كيف يجوز المبلغ إليه أن تناول قوله الذي هو وحي يوحى
على غير المعنى الذي به جاء، ولا يرى ذلك من ليس نبي إلا إيمانًا وتصديقًا ويقينًا،
وبروح من عند الله وبتأييد منه، كما لا يرى الكافر ما يراه المؤمن ولا الجاهل ما
يراه العالم من حقائق ما يجب الإيمان به للموت الذي به - أعني: الكافر -
وبصفاته قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) .
وقال الله - جلَّ جلالُه -(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)فإذا أحيا الله - جلَّ جلالُه - المؤمن بالإيمان
أحياه الله من موت الكفر بروح الإيمان، كما قال عزّ قوله: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)
ولكل درجة من هذه الحياة مقام، ولكل مقام حال ذلك على قدر
الحظ الذي يؤتيه الله من ذلك الإحياء الذي به يحييه من موت الكفر.
فمنها حال من عبر عنها قوله - جلَّ جلالُه -:"إني لا أطلع على قلب عبدي فأجد الغالب"
عليه ذكري إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به..."."
هناك يبصر بالنور ويتكلم به، ويسمع به ويتحرك ويسكن به، كما كان
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو، وأرفع منها مقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم اجعل في قلبى نورًا وفي"
سمعي نورًا..."إلى قوله:"اللهم املأني نورًا، اللهم أعظم لي نورًا، واجعلني
نورًا) هناك يبصر بكله ويسمع بكله ويفهم بكله.
ومن هذه الحال كان - صلى الله عليه وسلم - يسمع كلام الجوامد وعذاب المعذب في القبر،
ويقول - صلى الله عليه وسلم -:"أترون قبلتي هَاهُنَا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني"
لأراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي"."