يأتي بعده، وإمام حق لما يؤمه منه.
(فصل)
ثم درجات منها تترقى إليها إن سمت بك همة، وهي ستة معالم احتوت على
معارف أحكام الملكوت التي أطلع الله - جلَّ جلالُه - عليها خصوص عباده وكلفهم تعلم
علمها، وأن يعملوا أفكارهم ويصرفوا فطنهم فيها، وأن يديموا اشتغاك هممهم
بالبحث عنها والتفكر في معالمها، سابعها المطلوب الأكبر والمعتمد الأعظم، هو
كل الكل مبديه ومعيده، وأوله وآخره وظاهره وباطنه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه.
منها تكوينه - جلَّ جلالُه - الأشياء كله لا من شيء ، وإقراره الأشياء كلها لا على شيء ،
وإدخاله الواسع في الضيق، ولم يوسع الضيق ولا ضيق الواسع، وإيراده الصغير
على الكبير، وإيراده الكبير على جزء من ذلك الصغير، وحجابه الإنسان عن رؤية
موضعه ومشاهدته، وإظهاره له عالمًا آخر في موضعه ذلك، ولم ينقله عن موضعه
ذلك، وتفتيته الجسد في التراب لأعين أهل الدنيا، وهو مع ذلك صحيح تام عند
آخرين، وتنويمه الجسد عن الأكل والشرب والنكاح في موضع وإيقاظه إياه يطعمه
ويسقيه في موضع آخر وعلى حالة أخرى ولم ينقله من موضعه، فدونك -
وفقك الله تعالى وكان في عونك - هذه المعالم فابحث عنها واشغل نفسك بها.
وكل ما يرد عليك من غرائب العالم في هذا الكتاب فلن ينافي ما ذكرناه إن
شاء الله تعالى، فعلمك قد سبق ب"إن الله جلَّ ثناؤه كان ولا شيء معه"مذكورًا
سواه، ولا وجود لشيء معه في أوليته التي لا ابتداء لها، أحدًا في أوليته، صمدًا في
آخرته، ولا آخرًا لم يزل، ولا يزال على ما لم يزل، ثم خلق المخلوقات، وفطر
الأرضين والسماوات والعلو والسفلى، خلق الدنيا والآخرة وأوجد الزمان والمكان
والمسكن وغير ذلك.
فهو خلق المخلوقات في لا مخلوق، وأوجد الموجدات والمحدثات لا في
محدث، ومعنى ذلك أنه خلق الزمان والمكان لا في مكان ولا في زمان، والخليقة
كلها لا في خليقة، بل أثبت - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الأشياء كلها لا على شيء ،
فإذًا لا حدث للجملة غير مشيئته، ولا حامل لها سوى قدرته، ولا علة لمصنوعه