معنى من الفهم، ولا يسد عنه باب من العلم إلا جعل الله من أمره ذلك مخرجًا في
الأغلب من أحواله.
ومصداق هذا قول الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)
وأخبر - جلَّ جلالُه - أن ذلك من أمره أنزله إلينا، وأعظم اليسر ما يفتحه الله - جلَّ جلالُه - على بواطن
المتقين. وينزله عليهم من فتوحاته وإلهامه.
ثم قال جل قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)
وإعظام الأجر للمتقين إعلاؤه إياهم إلى رفيع درجاتهم، وإصلاح بواطنهم، وفتح
مغاليق ما ارتج دونهم من مغارب غيوب المعرفة، وهو نوع عظيم من القبول
الأعلى.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي: القبول كله أول
ذلك، وأدناه أن يقول العبد:"لا إله إلا الله"مخلصًا من قلبه، فيتقبل أعماله وتحبط
سيئاته، ويدخل بها في الموازنة، فكيف يرى قبول عمل من قالها عالمًا بها، مشاهدا
لعلمها، عازفًا بما شهد، [مستشعرًا] التقوى بها؛ فالتقوى علم وعمل وإيمان وإسلام،
وإن لربكم نفحات فتعرضوا لها.
فمن الغيب الذي هو موجود إيمانهم ومشهود غيبهم، فهو كثير جدا لا ينحصر
أبدًا، بل لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، ليكون
العبد في غاية الافتقار إلى تحصيل ما لا بدَّ تحصيله من ذلك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم"
الآخر". وفي أخرى:"وبالبعث الآخر، وأن تؤمن بالقدر كله خيره وشره وحلوه
ومره، وكله من الإيمان بالغيب"."
ثم تفصيل ذلك بواسطة الاستدلال والنظر والتفكر والاعتبار وتحصيل
البراهين للإيمان بالله - جلَّ جلالُه - وكتبه ورسله وبأسمائه كلها وصفاته ما علمت منها وما لم
تعلم.
ثم مجاري ذلك كله في العالم ومسالكه في طرقات الحق المخلوق به
السماوات والأرض، وهو مجال رحيب وفضاء فسيح لعتاق السابقين وميدان كريم
لأعلام المتقين، وهو أصل لما تفرع عنه، وأمر حق لما ورائه، وإيمان علم له ولما