ثم ذكر عاقبة ذلك: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} [الفرقان: 37] وكلمة {أَغْرَقْنَاهُمْ} [الفرقان: 37] تعني: أن الذي أغرق المكذبين نَجَّى المؤمنين ، وإغراق المكذبين أو عملية تردُّ على سخريتهم من نوح ، حينما مرُّوا عليه وهو يصنع السفينة: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] .
ولم يكن الغرق نهاية الجزاء ، إنما هو بدايته ، فهناك العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً} [الفرقان: 37] وهكذا جمع الله عليهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة .
ثم يضرب الحق تبارك وتعالى لرسوله مثلاً آخر: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس}
إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم ، كما قال في موضع آخر: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65] . {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} [الأعراف: 73] .
وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله ، ودحر خصومهم والمكذِّبين بهم ، كل ذلك ليقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: يا محمد لست بدعاً من الرسل ، فإنْ وقف منك قومك موقفَ العناد والتكذيب ، فكُنْ على يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171173] .
إنها قضية يطلقها الحق تبارك وتعالى لا للتاريخ فقط ، ولكن لتربية النفس البشرية ، فإنْ أردتَ الغلبة فكُنْ في جند الله وتحت حزبه ، ولن تُهزَم أبداً ، إلا إذا اختلّتْ فيك هذه الجندية ، ولا تنْسَ أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط ، فإذا هُزِمْتَ في معركة فعليك أن تنظر عن أيٍّ منهما تخليْتَ .