وكذلك كانت مسألة نوح عليه السلام ، لكن بطريقة أخرى ، هي السفينة ، وفكرة السفينة لم تكُنْ موجودة قبل نوح عليه السلام ، ألم يصادف واحد شجرة مُلْقاة في الماء تطفو على سطحه ، ففكّر في ظاهرة الطفو هذه ، وكيف أن الشجرة لم تغطس في الماء ؛ لقد كان النجارون الماهرون يقيسون كثافة الخشب بأن يُلْقوه في الماء ، ثم ينظروا مقدار الغطس منه في الماء ، وعليه يعرفون كثافته .
هذه الظاهرة التي تنبه لها أرشميدس وبنَى عليها نظرية الأجسام الطافية والماء المُزَاح ، وتوصّل من خلالها إلى النقائض ، فبها تطفو الأشياء أو تغوص في الماء ، إنْ زادت الكثافة يثقل الشيء ويغوص في الماء ، وإنْ قلَّتْ الكثافة يطفو .
وتلاحظ ذلك إذا رميتَ قطعة نقود مثلاً ، فإنها تغطس في الماء ، فإنْ طرقتَها حتى جعلتها واسعةَ الرقعة رقيقة ، فإنها تطفو مع أن الكتلة واحدة ، نعم الكتلة واحدة ، لكن الماء المُزَاح في الحالة الثانية أكثر ، فيساعد على طفْوها .
وقد أراد الحق تبارك وتعالى أن يُنبِّه الإنسان إلى هذه الظواهر ، ويهديه إلى صناعة السفن التي تحمله في الماء ؛ لأن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه ، وقد جعل الله لك وسائل مواصلات في الربع ، أَلاَ يجعل لك مواصلات في الثلاثة أرباع ، فتأخذ خيرات البحر ، كما أخذت خيرات البَرِّ؟
وتأمل أسلوب القرآن: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل} [الفرقان: 37] ومعلوم أنهم كذَّبوا رسولهم نوحاً لا جميع الرسل ، قالوا: لأن النبوة لا تأتي بمتعارضات ، إنما تأتي بأمور مُتفق عليها ؛ لذلك جعل تكذيبَ رسول واحد كتكذيب جميع الرسل .