مسألة أخرى نلحظها في الجمع بين موسى ونوح عليهما السلام في مقام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهما يشتركان في ظاهرة كونية تستحق التأمل والنظر ، فكل مظاهر الكون التي أمامنا لو حققنا في كل مظهر من مظاهرها بعقل وتُؤدَة ويقين لأمكَننا أن نستنبط منها ما يُثري حياتنا ويُترِفها ويُسعدها .
لذلك الحق تبارك وتعالى ينعى على الذين يُعرضون عن النظر في آياته ، فيقول: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .
وسبق أن قلنا: إن كل المخترعات التي رفَّهتْ حياة الناس وأسعدتهم ، وقلّلت مجهوداتهم ، وقصّرت الوقت عليهم ، كانت نتيجة الملاحظة والتأمل في مظاهر الكون كالذي اخترع العجلة والبخار . . إلخ .
وهنا نلاحظ أن العلاقة بين موسى ونوح عليهما السلام أن الله تعالى يُهلِك ويُنجي بالشيء الواحد ، فالماء الذي نجَّى موسى هو الماء الذي أغرق فرعون ، والماء الذي نجَّى نوحاً هو الماء الذي أغرق الكافرين من قومه . فهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالله تعالى إنْ أراد الإنجاء يُنجِّي ، وإنْ أراد الإهلاك يُهلِك ، ولو بالشيء الواحد .
ألاَ ترى أن أصحاب موسى حينما رأوا البحر من أمامهم ، وفرعون من خلفهم قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] فهذه حقيقة وقضية كونية مَنْ يملك ردّها؟ إنما ردها موسى فقال (كَلاَّ) لن نُدرَك ، قالها بملء فيه ، لا ببشريته ، إنما بالربوبية التي يثق في أنها لن تسلمه ،
{قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .