وعلى عهد رسول الله قامتْ معركة بين الفُرْس والروم غُلبت فيها الروم ، فحزن رسول الله لهزيمة الروم ؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسول ، أما الفرس فكانوا كفاراً لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها . فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله ، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به ، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل .
فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه: {الم * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم} [الروم: 15] .
فأيُّ عقل يستطيع أنْ يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غداً لأمكن التنبؤ بنتيجتها ، بناءً على حساب العَدد والعُدة والإمكانات العسكرية ، لكن مَنْ يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومَنْ يجرؤ أن يقولها قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة . فلو أن هذه المدة مرَّت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفَر به مَنْ آمن وانفضَّ عنه مَنْ حوله .
إذن: ما قالها رسول الله قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلا وهو واثق من صِدْق ما يخبر به ؛ لأن الذي يخبره ربه عز وجل الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض ؛ لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى:
{قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض} [الفرقان: 6] .
ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفُرْس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر ، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله} [الروم: 45] .