ويقولون: إنه أساطير الأولين، وقد كان منهم من عرف شيئاً من أخبار الفرس وملوكهم، وكان يحدثهم بها، ويقصها عليهم، ويزعم لهم أنها مثل ما يأتي به محمد فقالوا - وقد علموا الفرق - هذه منها وهي مثلها!.
ولكن محمداً عرفوه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكيف اتصل بهاته التي زعموها أساطير؟
فاخترعوا وسيلة لذلك أنه يكتبها له غيره ويمليها عليه وهو يحفظها!! ومن هو هذا الذي يكتب ويملي عليه، وهم قد عرفوا مدخل محمد ومخرجه ومغداه ومجلسه، وعرفوا بلدتهم ومن يساكنهم فكيف لا يرونه ولا مرة بين يدي هذا الكاتب المملي، ولا يشاهدونه يوما في صحبته؟!.
فاخترعوا لذلك أنه يمليها عليه في طرفي النهار في ظلام من الوقت، وسكون من الناس.
وقالوا في الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إنه مفتر، يستعين على افترائه بغيره، ويتظاهر باستقلاله، وينسب لله ما هو من حكايات الأوائل وأوضاعهم، فكيذب عليه - تعالى - لديهم.
رد الله عليهم كل ما قالوا فيهما:
بأنه ظلم وزور.
وأن ما يتلوه عليه هذا النبي الكريم، من ذلك الكتاب الحكيم، ليس إلاّ من خالق المخلوقات، العالم بأسرارها.
أسلوب في البيان:
لقد جاءوا الظلم والزور في قولهم الأول وقولهم الثاني.
وقوله:"قل"أمر بما يرد قولهم الأول، وقولهم الثاني، غير أنه قصد إلى الإيجاز وعدم التكرار.
فجعل مع قولهم الأول الوصف وهو الظلم، واكتفى بذكره هنا عن إعادته.
وجعل مع قولهم الثاني الدليل: وهو إنزال من يعلم السر واكتفى بذكره هنا عن ذكره مع الأول فحذف من كل ما أثبت مع الآخر. وجعل الوصف مع الأول والدليل مع الثاني ترقياً من الدعوى للدليل.
وجه الدليل:
القرآن أعجز العرب ببلاغته، حتى عرفوا - وعرف العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم - أنه ليس مثله من طوق البشر. هذه هي الناحية الظاهرة في إعجاز القرآن والاستدلال به له ولمن أتي به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وهنالك ناحية أخرى هي أعظم وأعم: وهي ناحيته العلمية التي يذعن لها كل ذي فهم من جميع الأمم، في كل قطر وفي كل زمن.
وهذه الناحية هي التي احتج بها في هذا الموطن: