فالخبر غير مقصود به الإفادة بل هو للتعجيب من حالهم كيف قابلوا نعمة إنزال الفرقان بالجحد والطغيان وكيف أشركوا بالذي تلك صفاته آلهةً أخرى صفاتهم على الضد من صفات من أشركوهم به ، وإلا فإن اتخاذ المشركين آلهة أمر معلوم لهم وللمؤمنين فلا يقصد إفادتهم لحكم الخبر.
وبين قوله: {ولم يتخذ ولداً} [الفرقان: 2] وقوله: {واتخذوا من دونه آلهة} محسن الطباق.
وضمير: {اتخذوا} عائد إلى المشركين ولم يسبق لهم ذكر في الكلام وإنما هم معروفون في مثل هذا المقام وخاصة من قوله: {ولم يكن له شريك في الملك} [الفرقان: 2] .
وجملة: {لا يخلقون شيئاً} مقابلة جملة {الذي له ملك السماوات والأرض} [الفرقان: 2] .
وجملة: {وهم يخلقون} مقابلة جملة: {ولم يتخذ ولداً} [الفرقان: 2] لأن ولد الخالق يجب أن يكون متولداً منه فلا يكون مخلوقاً.
وجملة: {ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً} مقابلة جملة: {ولم يكن له شريك في الملك} [الفرقان: 2] لأن الشركة في الملك تقتضي الشركة في التصرف.
وضمير: {لأنفسهم} يجوز أن يعود إلى {آلهة} أي لا تقدر الأصنام ونحوها على ضر أنفسهم ولا على نفعهم.
ويجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير {واتخذوا} أي لا تقدر الأصنام على نفع الذين عبدوهم ولا على ضرهم.
واعلم أن {ضراً ولا نفعاً} هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال ، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال.
وهذا نظير أن يقال: شرقاً وغرباً ، وليلاً ونهاراً.
وبذلك يندفع ما يشكل في بادئ الرأي من وجه نفي قدرتهم على إضرار أنفسهم بأنه لا تتعلق إرادة أحد بضر نفسه ، وبذلك أيضاً لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع ، لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين ، فالمتكلم مخير في ذلك والمخالفة بين الآيات في تقديم أحد الأمرين مجرد تفنّن.
والمجرور في {لأنفسهم} متعلق بـ {يملكون} .