فإن قلت: كيف يكون أصحاب الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار ولا خير في النار، ولا يقال: العسل أحلى من الخل؟
قلتُ: إنه من قبيل التقريع والتهكم كما في قوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} كما سبق، فليست المفاضلة على بابها. ويمكن إبقاؤها على بابها، ويكون التفضيل وقع بين المستقرين والمقيلين باعتبار الزمان الواقع ذلك فيه، فالمعنى: خير مستقرًا في الآخرة من الكفار المترفين في الدنيا، وأحسن مقيلًا في الآخرة من أولئك في الدنيا.
وقيل: خير مستقرًا منهم لو كان لهم مستقر، فيكون التقدير: لو وجد لهم مستقر .. يكون مستقر المؤمنين خيرًا من مستقرهم.
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) }
فإن قيل: قد ثبت بالنقل أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، وهكذا سماء الدنيا بالنسبة إلى السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، فكيف تسع الأرض لملائكة السماوات السبع بأسرها؟
أجيب: بأن الله سبحانه وتعالى يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم، فتتسع مع أن السماوات مقبية, فكلما زالت واحدة منها ونزلت تتسع الأرض بقدرها، فيكفي لملائكتها أطرافها، وقد ثبت أن الملائكة أجسام لطيفة رقيقة، فلا تتصور بينهم المزاحمة كمزاحمة الناس.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) }
وفي"الروح":
فإن قلت: كون هارون وزيرًا كالمنافي لكونه شريكًا له في النبوة؛ لأنه إذا صار شريكًا له خرج عن كونه وزيرًا؟
قلتُ: لا ينافي ذلك مشاركته في النبوة؛ لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه، وقد كان هارون في أول الأمر وزيرًا لموسى، ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما: (اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) .
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) }
فإن قلت: إذا كانت ظلمة الليل لباسًا فلا حاجة إلى ستر العورة في صلاة الليل؟
قلتُ: لا اعتبار لستر الظلمة فإن ستر العورة باللباس ونحوه لحق الصلاة، وهو باق في الظلمة والضوء.
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) }
فإن قلت: لم وصف الماء بالطهور مع أن وصف الطهارة لا دخل له في ترتيب الأحياء والسقي على إنزال الماء؟