فالجَوابُ: أنا نقول: المراد من البحر العذب هذه الأودية ومن البحر الأجاج البحار الكبار. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي: حائلاً من الأرض، ووجه الاستدلال هاهنا أن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض والماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة. ويمكن الجواب بطريق آخر، وهو أنا رأينا نيل مصر داخلاً في بحر ملح أبيض لونه مغاير للون بحر الملح، ولا يختلط به ويؤخذ منه ويشرب.
قوله تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً}
وفي هذا الماء قولان:
أحدهما: أنه النطفة، والثاني: أنه الماء الذي تسقى به الأرض فيتولد منه الأغذية، ويتولد من الأغذية النطفة، كما تقدم في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .
قوله: {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً}
أي: جعله ذا نسب وصهر قال الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلا الأصهار، ولا لأهل بيت الرجل إلا أختان. قال: ومن العرب من يطلق الأصهار على الجميع. وهذا هو الغالب.
وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، والنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها. والصحيح أن النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد تقدم أن الله تعالى حرم بالنسب سبعاً وبالسبب سبعاً في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} حيث خلق من النطفة نوعين من البشر الذكر والأنثى.
{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) }
أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي.
قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان.
فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة؟
فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: {إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله} [الأحزاب: 57] .