فقد ضمن الباء هنا معنى عن ، وأمثاله كثير في القرآن والحديث والضمير راجع إلى الرحمن كما ذكرنا ، وقيل يعود إلى ما ذكر من الخلق الاستواء ، والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيله فاسأل عليما به معتنيا بصيرا عظيم الشان محيطا بظواهر الأمور وخوافيها ، عارفا بها ، يخبرك بقدرته ، ومن هذا الخبير الذي يسأله محمد صلى اللّه عليه وسلم غير ربه جلّ وعلا ؟ أي كأنه يقول له اسألني أخبرك لأن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق ، والنسق الرائق ، بتدبير متين ، وترتيب مبين ، في أوقات معينة مع كمال الإبداع ، لجدير بالإخبار عن ماهيتها وبيان ما أودع فيها من حكم جميلة وغايات نبيلة لا تقف على تفاصيلها العقول ، وهو أحق أن يسأل لأنه هو وحده القادر على خلقها دفعة واحدة في أقل من لحظة ، وهو جدير بأن يطلعك على جليلة أمرها ووضوح حقائقها لا غير ، قال تعالى"وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ"لا نعرفه يا محمد من هو ، وإنما نعرف رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ، وهذا كقول فرعون لموسى (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) الآية 23 من سورة الشعراء الآتية ، صدق اللّه بقوله (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية 118 من البقرة في ج 3 ، لأن ردّ الكفرة للأنبياء من لدن نوح إلى محمد جاء
على وتيرة واحدة ، وسؤالهن هذا من تجاهل العارف لأنه مذكور في الكتب المتقدمة بالعبرانية بلفظ رحمان كما ذكر موسي (موشى) .
وقالوا على طريق الاستفهام الإنكاري"أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا"يا محمد ؟ كلا لا نفعل أبدا"وَزادَهُمْ"طلب السجود والأمر به"نُفُوراً"60 عن الإيمان باللّه ورسوله وجاهروه بعدم الامتثال.
واعلم أن هذه السجدة من عزائم السجود فتجب على القارئ والسامع ، وقدمنا ما يتعلق بالسجود للّه في الآية الأخيرة من سورة الأعراف وص والنجم المارات فراجعها.