وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت {يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل} [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام هو أفضل الأموال ، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فكفّ الناس عن ذلك ، فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ} إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ} ، وهو: الرجل يوكل الرجل بضيعته ، والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن ، وكانوا أيضاً يتحرّجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره ، فرخص الله لهم فقال {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ، ولا مريض ، ولا أعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله ، وابن جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله: {لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ} ما بال الأعمى ، والأعرج ، والمريض ذكروا هنا؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم ، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، وكانوا يتحرّجون من ذلك يقولون: لا ندخلها ، وهم غيب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان هذا الحيّ من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية ، حتى إن كان الرجل يسوق الذود الحفل ، وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} .