هكذا كانت القضية فِي غاية الوضوح. ولكنها - مع وضوحها - احتاجت إلى مجاهدة طويلة حتى استقرت. ذلك لأن حقيقة الخلق الأول - وهي الركيزة الرئيسة فِي النقاش حول قضية البعث - لم تكن تحتل فِي نفوس المشركين مساحتها الحقيقية التي ينبغى أن تأخذها. إنها أمر واقع، نعم! وهم لا ينكرونها: (( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) ) (1) . (( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ) (2) . ولكنها حقيقة ميتة باردة فِي حسهم، لا نبض فيها ولا إشعاع، لأن نفوسهم قد أكلها الصدأ، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فلم تعد الأصداء الحقيقية لحقائق الوجود تصل إليهم، سواء من ناحية تفرد الله بالألوهية وما يقتضيه ذلك من إفراد الله بالعبادة، فلا يعبد غيره، أو من ناحية الإيمان بالبعث حين يخبرهم به الوحي المنزل، ويدلل لهم عليه بأن الذي خلق أول مرة قادر على إعادة الخلق.. ولو كانت قضية الخلق من العدم - التي ذكرهم بها مرات ومرات - تأخذ فِي حسهم مساحتها الحقيقية، ما حتاجوا إلى كل ما احتاجوا إليه من نقاش حول قضية البعث، مهما كانت غرابتها عليهم فِي الوهلة الأولى. فإن خلق أبسط الكائنات، فضلا عن الإنسان، فضلا عن السماوات والأرض هو أمر معجز لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا أقروا أن الله هو الخالق - كما كانوا يقرون بالفعل - فما وجه الإنكار بالنسبة للنشأة الثانية؟!
إنها الجاهلية! ولا شيء غير الجاهلية!
(1) سورة لقمان: 25
(2) سورة الزخرف: 87