وكلها مشاهد يراها الإنسان على الدوام معروضة أمامه، ولكنه فِي أحواله العادية قد لا يفكر فيها ولا يتدبرها، أو قد ينسبها فِي غفلته - كما تصنع الجاهلية المعاصرة - إلى (( الطبيعة ) )! فلا تؤدى فِي حسه ما ينبغى أن تؤديه من إيقاظ الفطرة إلى حقائق الوجود، وبالذات إلى الحقيقة الكبرى فِي هذا الوجود: حقيقة الألوهية، وحقيقة القدرة المعجزة التي أوجدت هذا الكون كله، وأجرت فيه ما أجرت من أحداث وأمور.
ولكن السياق القرآني يزيل هذه الغفلة بأكثر من وسيلة.
فهو بادئ ذي بدء يرد الأمور كلها، ويرد الخلق كله، إلى مصدره الحقيقي، إلى الله الذي خلق كل شىء، ويدبر كل شىء.. إلى الله الذي لا إله غيره: (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) ) (1) .
ثم هو يبث الحركة فِي المشاهد التي يعرضها، فلا تصل إلى الحس ساكنة خامدة، كالمعلومات الذهنية التي تسكن فِي الذهن ولا تحرك الوجدان. إنما تصل فِي تتابع حى متحرك، يجعل الخيال يتابع حركتها واحدة إثر الأخرى، حتى ينتهى عرض الشريط بالكامل، والخيال هو الرسول إلى الوجدان، يحركه من مكمنه، فينفعل بالحدث ... أو المشهد، فيصبح الحدث أو المشهد جزءا من محتوى النفس، يؤثر فيها من داخلها، وليس شيئا خارجا عنها تملك ألا تلتفت إليه أو تنصرف عنه!
ثم يأتى الإعجاز البيانى فيشارك فِي التأثير، حين يرسم بالألفاظ لوحة كاملة، حية متحركة، بتملاها الخيال وينفعل بها الوجدان، كأنما هي صور متحركة لا مجرد ألفاظ.
وتتواكب التأثيرات كلها لتؤدى الهدف المطلوب، وهو إيقاظ القلب الغافل ليتوجه إلى الله0.
(1) سورة البقرة: 163 0