والآية لا تشير فقط إلى جريان الفلك فِي البحر، الذي ينفذ إلى النفس من منفذ الحركة - وهي من الأمور التي تلفت الحس البشرى بشدة وتوقظه من غفلته - ولكنها تنفذ من منفذ آخر هو (( المصلحة ) )! فإنها تجرى فِي البحر بما ينفع الناس. وهذا يذكرهم بفضل الله عليهم. فالأشياء التي تنفع الناس هي من خلق الله، وحملها فِي الفلك حتى تصل إلى الناس هو كذلك من خلق الله. فهو فضل مزدوج يستحق من العباد أن يشكروا ربهم عليه، لا أن يجحدوه ويعبدوا سواه.
ونقلة أخرى تنقلنا إلى مشهد آخر.
(( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) )
إنها إشارات متواكبة متوالية تقرع الحس بشدة لتلفته إلى ما كان غافلا نه 0.
فإنزال الماء من السماء آية، وإحياء الأرض الميتة بهذا الماء آية، وبث الدواب فِي الأرض بعد إحيائها بالماء آية 00 وكلها آيات تنفذ إلى النفس من منافذ شتى فِي آن واحد . من منفذ الدقة المعجزة فِي الكون، ومن منفذ الحركة المتدفقة، بالإضافة إلى القدرة على الخلق، فتتواكب الآيات لتهز الوجدان، وتنفض عنه غفلته إن كان من الغافلين0.
وحين يتبلد الحس فإنه يرى المشاهد كلها يمر عليها فِي بلادة كأنها غير موجودة.. أما حين يعرضها النص القرآني على هذه الصورة، فهل يملك الحس أن يفلت من تأثيرها أو يتجاهلها، إلا أن يكون حسا مغلقا فِي قلب مريض؟!
فالمطر لا ينزل من تلقاء نفسه! إنما هو مخلوق من مخلوقات الله يخضع لأمره، ويسير حسب سننه، ولو شاء الله لجعله على صورة أخرى فلا يملك البشر أن ينتفعوا به:
(( أفرأيتم الماء الذي تشربون(68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون )) (1) .
وإحياء الأرض الميتة بالماء لا يحدث من تلقاء نفسه! فلولا خاصية أودعها الله فِي الماء، وخاصية أودعها فِي الأرض، ما أنبتت حين ينزل عليها الماء:
(1) سورة الواقعة: 68 - 70 0