... ويختم السياق بهذه الحقيقة الهائلة: (( ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ) )فكل مصدر يلتمس فيه النور غير المصدر الربانى لا ينير، وكل شيء غير نور الله ضلال، بل عبث وانقطاع، ووهم وخداع، ينتهى بصاحبه إلى الضياع فِي لجة الظلام00... ألا إنه إعجاز 0.
يقول تعالى فِي سورة الأعراف:... (( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) ) (1) .... الآية فِي وصف الأمة اليهودية بعدما أداروا ظهرهم للهدى الربانى، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم بغير حق، وخالفوا أمر ربهم، وأخلدوا إلى الأرض بحثا عن المتاع الرخيص0... وفى كلمة واحدة من كلمات الآية ينكشف الوضع كله، وتتضح معالمه، وتتبين أسبابه:... (( ورثوا الكتاب ) ).... هذا سر الموقف كله 00... لقد صار الكتاب الذي يحمل الوحي الربانى تراثاً، يحتفظ به، ويعتز بذكراه، ويتفاخر به، ولكن لا يعمل به فِي واقع الحياة... إنه كتاب الآباء والأجداد، ولكنه ليس كتابهم هم! وهم ورثوه عن الآباء والأجداد، ولكنهم لا يعدونه موجها إليهم، ولا ملزما لهم ليعملوا به! إنما التزام به الآباء والأجداد الذين أنزل إليهم. أما هم ففى واد آخر، وفى شغل آخر، لا علاقة له بالكتاب! إنهم يبحثون عن عرض الحياة الدنيا، وذلك شغلهم الشاغل. ولكنهم فِي الوقت ذاته متعلقون بذكرى الكتاب! وذكرى الكتاب توهمهم أنهم لن يعاقبوا على أعمالهم التي يرتكبون فيها ما حرم الله، لأن ذكرى الكتاب ستحميهم من ذلك العقاب، وستجلب لهم مغفرة الرب الذي يكفرون به وبآياته، ويزعمون فِي الوقت ذاته أنهم أبناؤه وأحباؤه!... (( ويقولون سيغفر لنا ) ).
(1) سورة الأعراف: 169 0