شغلا بها لا غفلة عنها فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن في قوله (ما قصرت وما نسيت) خلف في قول وعند أن قوله: (ما قصرت الصلاة وما نسيت) بمعنى الترك الذي هو أحد وجهى النسيان أراد والله أعلم أنى لم أسلم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة ولكني نسيت ولم يكن ذلك من تلقاء نفسي والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنى لأنسى أو أنسى، لأسن.
وأما قصة كلمات إبراهيم المذكورة أنها كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان قوله: (إنى سقيم - بل فعله كبيرهم هذا) وقوله للملك عن زوجته: إنها أختى: فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب لا في القصد ولا في
غيره وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب أما قوله: (إنى سقيم) فقال الحسن وغيره معناه: سأسقم أي: أن كل مخلوق معرض لذلك فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا وقيل بل سقيم بما قدر على من الموت وقيل سقيم القلب بما أشاهده من كفركم وعنادكم وقيل بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم فلما رآه
(قوله للملك) قال السهيلي على بن قتيبة إن اسمه صادوف وقيل سنان بن علوان (قوله إنها أختى) قيل إنما لم يقل إنها زوجتى لأن ذلك الجبار كان على دين المجوس وفى دينهم أن أخا الأخت أحق بها من غيره فأراد إبراهيم عليه السلام أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي عليه ذلك الجبار، واعترض بأن الذي جاء بدين المجوس زرادشت وهو متأخر عن إبراهيم، وأجيب بأن دين المجوس متقدم على زرادشت وإنما زرادشت زاد فيه أمورا، وفى حاشية التفتازانى على الكشاف إنه إنما لم يقل زوجتى لأن ذلك الجبار كان لا يتعرض إلا لذوات الأزواج.
(قوله مندوحة) أي سعة: من ندحت الشيء إذا وسعته.