{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [الكهف: 59] أي: إنما أهلكنا أهل تلك القرى بعد أن كان من سنتنا أن تعم رحمتنا المؤمن والكافر في الدنيا؛ لأنهم ضموا مع كفرهم الظلم ومن سنتنا أن يمهل الظالم ولا يهمله كما قال صلى الله عليه وسلم:"الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم".
وقال تعالى: {وَكَذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً} [الأنعام: 129] وذلك لأن دعوة المظلومين المضطرين مؤثرة دعاءهم مستجاب، قال صلى الله عليه وسلم:"اتقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس لها عند الله حجاب"قوله: {لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الكهف: 59] أي: جعلنا موعد هلاك الكافر غلوه في الظلم، والظلم مرتعه وخيم.
ثم أخبر عن أهل الصحبة وآدابهم بالخدمة والحرمة بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف: 60] اعلم أن في قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى} [الكهف: 60] إشارات:
منها: أن شرط المسافر أن يطلب الرفيق، ثم يأخذ الطريق.
ومنها: أن من شرط الرفيقين أن يكون أحدهما أميراً، والثاني مأموراً له ومتابعاً.
ومنها: أن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبره عن مدة مكثه في سفره ليكون الرفيق واقفاً على أحواله، فإن كان موافقاً يرافقه في ذلك.
ومنها: أن من شرط الطالب الصادق أن تكون نيته في طلب شيخ يقتدي به وألا يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به، وإلا سيكون بقية عمره طالباً له فإن طلب الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة.
وبقوله: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً} [الكهف: 61] يشير إلى أن الطالب الصادق إذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا وزينتها.