ثم أخبر عنهم فقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} [الكهف: 13] سماهم باسم الفتوة؛ لأنهم آمنوا بالتحقيق لا بالتقليد، وطلبوا الهداية من الله إلى الله بالله، ولكنهم طلبوا الهداية في البداية بحسب نظرهم وقدر همتهم، فالله تعالى على قضية"من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"وفي هداهم فضلاً منه وكرماً، كما قال: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] أي: زدنا على متمناهم في الهداية، فإنهم يكادون يتمنون أن يهديهم الله إلى الإيمان بالله، وبما جاء به الأنبياء - عليهم السلام - بالبعث والنشور إيماناً بالغيب فزادهم الله تعالى على متمناهم في الهداية حين بعثهم من رقدتهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين، وما تغيرت أحوالهم وما بليت ثيابهم، فصار الإيمان إيقاناً، والغيب عيناً وعياناً.
ثم قال: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الكهف: 14] يعني: لكيلا يلتفتوا إلى الدنيا وزخارفها وينقطعوا إلى الله بالكلية، وكذلك ما اختاروا بعد البعث الحياة في الدنيا ورجعوا في أن ترجعوا إلى جوار الحق، وأيضاً وبعد على قلوبهم المحبة والشوق إلى لقاء الله، وأيضاً ربط على قلوبهم نور المعرفة حتى أخبروا عن ذلك.
{إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14] أي: بعد أن ربط الله تعالى على قلوبنا نور المعرفة بفضله وكرمه حتى تقينا وحدانيته لو دهونا معه غيره فقد قلنا إذا كذباً وزوراً باطلاً بعد الصدق والحق واليقين، ثم قالوا: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً} [الكهف: 15] من الهوى والدنيا وشهواتها وغير ذلك من الأصنام بجهالتهم وضلالتهم وعدم هدايتهم ومعرفتهم، وإنما قالوا: أي: كنا من جملتهم وبالضلالة في زمرتهم فأنعم الله علينا بالهداية والمعرفة وفرق بيننا وبينهم بالرعاية والعناية.