قال ابن عباس: (يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد) . والكلام القديم صفة من صفات ذاته، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية ومنتهى، كما ليس له غاية وحد، فأوصاف ذاته غير محدودة أيضًا. وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي: شيء الذي أوتيتم في علم الله، فكلماته التي لا تنفذ ولا تتناهى، كما لو كتبت بماء البحار وأضعاف ذلك. وقال ابن عباس في تفسير {كَلِمَاتُ رَبِّي} : (يريد مواعظ الشكر مني، أو مواعيد ربي وعلمه في خلقه) .
وقوله تعالى: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} أي: بمثل البحر في كثرة مائه مدادا زيادة له.
وأراد لو جئنا بمثله مدادًا له، والمدد: كل شيء زاد في شيء. يقال أمددناهم بمدد أي: بقوم يزيدون في عددهم. قال الزجاج: ( {مَدَدًا} منصوب على التمييز، يقول: ملؤ هذا، ومثل هذا ذهبًا، أي: من الذهب) . كقوله: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] قال ابن الأنباري:(ويجوز أن يكون {مَدَدًا} منصوب على المصدر لجئنا بتقدير: لمدد البحر بمثله مددا، كما تقول: جاء فلان ركضا.
قال: ويجوز أن يكون نائبا عن الحال بتقدير: لو جئنا بمثله مادين) .
110 -قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} قال ابن عباس: (علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه) . وهذا أمر من الله لرسوله بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي وهو قوله: {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له. ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لأصلي، وأتصدق، وأحب مع ذلك أن يطلع عليه الناس، فأنزل الله هذه الآية) . والإشارة في ذكر توحيده هاهنا إلى من راءى بعمله، فكأنه أشرك فيه غير الله، والمعبود واحد لا يقبل الشركة.