95 -ويدل على أن المراد بالخَرْج والخَرَاج هاهنا: العطية منهم له، قوله تعالى في جوابه لهم: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} والمعنى: ما مكني فيه من الاتساع في الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، ومكَّن منقول من مكن يقال: مكُنَ مَكَانَةً، وهو مَكِين عند السلطان من قوم مُكناء، ومكَّن غيره إذا جعله ذا تمكن. وقراءة العامة: ما مَكَّنِّي بنون واحدة مشددة. أدغموا النون في النون لاجتماع النونين كقوله: {لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 11] وقرأ ابن كثير: بنونين؛ لأنهما من كلمتين والثانية غير لازمة؛ لأنك تقول: مكنتك ومكنته فلم تدغم.
قال ابن عباس: (يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم) .
وقوله تعالى: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} قال: (يريد بقوة الأبدان) .
وقال الزجاج: (بعمل يعملونه) .
معنى: {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} سدًّا وحاجزًا.
قال ابن عباس: (وهو أشد الحجاب) .
ومعنى الرَّدم في اللغة: سدُّك بابًا كله أو ثلمةً أر مدخلاً، يقال: رَدَمَه يردمه ردمًا.
قال أبو إسحاق: (والرَّدْمُ في اللغة أكثر من السدِّ؛ لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم إذا كان قد رُقِع رقعة فوق رُقعة) .
96 -قوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} لم يرد فأتوني استدعاء تمليك عين، ولكن تمليك المناولة بالأنفس؛ لأنه كلفهم المعونة على عمل السد بقوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} ولم يقل: الخرج الذي بذلوه، فلا يسألهم الحديد أيضًا. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريدا احملوا إلى زبر الحديد) ألا ترى أنه فسره بالحمل إليه لا بمعنى التمليك.