والجواب - هو أن الإفراد باعتبار لفظ"من"والجمع باعتبار معناها ، وهو كثير في القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة ، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقاًز خلافاً لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعة المعنى لا تصح. والدليل على صحة قوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً} [الطلاق: 11] فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ"من"أولاً فأفرد الضمير في قوله {يؤمن} وقوله"ويعمل"وقوله"يُدْخِلْهُ"ووراعى المعنى في قوله: {خالدين} فأتى فيه بصيغة الجمع ، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله: {قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً} وقوله: {أن يفقهوه} فيه وفي كل من يشابهه من الألفاظ وجهان معرفوان لعماء التفسير: أحدهما - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوهن وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى: {يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] أي لئلا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا. وقوله: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فتبينوا أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] أي لئلا تصيبوا ، أو كراهة أن تصيبوا ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم.
وقوله تعلى: {أن يفقهوه} أي يفهموه. فالفقه: الفهم ، ومنه قوله تعالى: {فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78] أي يفهمونه ، وقوله تعالى {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}